الاثنين، ٢٦ يوليو ٢٠١٠

الوقوف خارج الحياة


بداية تاريخ الآباء.. ناحور الجد ثم تارح ثم ابرام (ابراهيم) وناحور الصغير وحاران
27وَهذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا. 28وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 29وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. 30وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. 31وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ.
 الأصحَاحُ الثَّانِي عَشَرَ
وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.

نلاحظ هنا بعض الأمور. الدعوة للخروج بدأت بالجد الأكبر تارح. وعندما خرج تارح خرج معه ابنه ابرام وابن ابنه لوط، نحل هاران. أما ناحور فلم يخرج بل بقى.
خرج تارح وابرام ولوط من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان لكنهم مكثوا في حاران. ربما مرحلياً. مات تارح في حاران. مات الأب وبقى أبرام وابن أخيه لوط. ربما راودتهم فكرة العودة إلى أور بعد وفاة تارح صاحب فكرة الخروج. لا نعرف دور الله في فكرة تارح للخروج، وهل الله خلف الخروج أم هي فقط فكرة من تارح. لكن الله هنا يقول لابرام أن يواصل المسير!
  
كيف كان الله يتكلم إلى ابرام (ابراهيم)؟
مرات يذكر الكتاب المقدس ببساطة هكذا (قال الله) ومرات يتكلم عن (ظهور ملاك الله لإبرام) وكلمة ملاك لا تعني بالضرورة كائن غير بشري بل الأصل في الكلمة هي "مُرسَل" أيا كانت طبيعة هذا المرسل، هل هو كائن غير بشري متجسد أو إنسان كلفه الله بنقل رسالة لذلك يُسمى "ملاك الله" أي مرسل من الله. بعض المفسرين يقولون أن تعبير "ملاك الله" تعبير مسياني، بمعنى أنه صورة مؤقتة من تجسد (الابن) أي أقنوم "الكلمة" في الثالوث أي "الله المتكلم، والمعبر عن نفسه" فهذه "الشخصية" من الله أبدية أزلية تتنازل وتتواصل مع البشر دائماً في صورة متعددة كان آخرها وقمتها تجسد الله في شخص يسوع المسيح (ملاك العهد الجديد).
جملة اعتراضية عن مفهوم الثالوث
في وحدانية الله. مفهوم الثالوث معناه أن الله واحد في جوهره لكن به "شخصيات" متعددة، مثل الإنسان الذي خلقه الله على صورته،آ فهو واحد لكن به "شخصيات" أو حالات وجود متعددة كالطفل والراشد والوالد. وكل من يتأمل نفسه يجد أن به دائماً شخصيات تتوافق وتتصارع. أما الله فخال تماماً من الصراع فهو الواحد جوهراً والوحيد الذي يعيش مع نفسه علاقة حب كاملة حتى أنه لا يحتاج لمحبة البشر وإنما يريد أن يهبهم المحبة ويشركهم في كيانه المحب الأبدي. الله  هو المتعالي المتسام الذي ليس كمثله شيء (هذا هو الله الآب) وهو أيضاً الله المتنازل المتواصل المعبر عن نفسه للبشر في حدود فهمهم الجسدي (هذا هو الله الكلمة أو الله الابن باعتبار أن الابن يمثل الأب) هذا هو الذي جعل المسيح يقول (انا والآب واحد وفي نفس الوقت يقول أبي أعظم مني، فالآب هو شخصية العظمة في الله والابن هو شخصية الحنان لهما جوهر واحد لكن الآب أعظم من الابن لأن الآب هي شخصية العظمة في الله والابن شخصية التنازل والتجسد والاثنان لا يتعارضان فالله من عظمته يستطيع أن يتنازل و في تنازله هو العظيم الذي لا ينقص التنازل من عظمته شيئاً).  الله أيضاً هو الذي يُحي كل شيء وكل شخص (هذا هو الله الروح القدس الذي يعطي الحياة الجسدية والروحية لكل ما هو حيّ وهو الذي يجعل كل هذه الأمور الروحية ممكنة الاستيعاب والإيمان لكل واحد بشكل خاص في حياته). هنا ينبغي أن نقول أن الله الروح هو الخالق لإيمان الأشخاص. هو الذي يقرع باب القلوب وهو الذي يجعل الإيمان ممكناً. لذلك لا يمكن لأي إنسان أن يغير إيمان شخص آخر لا بالسيف ولا بالإغراء و لا حتى بالإقناع. البشر دورهم الشهادة والكلام والله هو الذي يعطي لهذه الشهادة القدرة الروحية على اختراق القلوب وذلك بالطبع بموافقة أصحاب هذه القلوب فالله لا يرغم أحد.

 الخروج.. شرط لسماع صوت الله وشرط للسعادة أيضاً
الله هو روح أزلي أبدي غير متغير في وجوده وحكمته وقوته وقداسته وعدله وصلاحه وحقه." هناك نوعان من صفات الله، الصفات المنفية والصفات المثبتة، أي "ما هو" و "ما هو ليس". الصفات المنفية هي الصفات التي تصف الله المطلق بالمقارنة بمحدودية الإنسان والصفات المثبتة هي الصفات التي تثبت كمال الله. من الصفات المنفية أنه الله لا يمكن أن يحيطه الفهم ومن الصفات المثبتة أنه كلي القوة والعلم.  من الصفات الواضحة في الله أنه لا يُحاط بالفهم ineffable . الجوهر الإلهي لا يمكن فهمه!  نسب العقل اليوناني، تبعاً للتقليد الأفلاطوني والأفلوطيني لله صفة الاستعصاء عن الفهم والمعرفة وأرجعوا ذلك إلى وحدة فكر الله في مقابل ثنائية فكر الإنسان. بالنسبة لنا، لكي نفكر، فنحن نفكر في صورة المتقابلات والمتضادات والتعددية. أما الله، فهو الحقيقة المطلقة، لذلك يجب أن يكون بسيطاً وليس معقداً. لذلك فإن تلك الحقيقة المتسامية الواحدة البسيطة لا يمكن أن نفكر فيها ونفهمها بعقولنا المنقسمة. الله لا يمكن فهمه، وإن كان هناك إمكانية لاختبار الله فهو يختبر في لحظات الخروج خارج العقل ecstasy.

لذلك لكي يبدأ الله تاريخ إعلانه عن نفسه للإنسان بدأ بإنسان بدوي بسيط قال له أن "يخرج" من أرضه حتى يخرج خارج حدود عقله وتفكيره. في الواقع عقل الإنسان مرتبط ارتباطاً شديداً بالمكان. حتى نومه واستيقاظه مرتبط بدورة الضوء والظلام بحسب توقيت مكانه. لذلك لكي يكلم الله الإنسان دائماً ما يطلب منه الخروج. والعجيب أن هذا الخروج خارج العقل هو مصدر السعادة الحقيقي فكلمة ecstasy (الخروج خارج العقل) هي الكلمة التي تشير باللغة الإنجليزية للنشوة والسعادة الفائقة. الإنسان يحاول بالخمر والمخدرات والجنس أن يخرج ولو للحظات خارج أرضه وخارج واقعه وخارج عقله لكي يحصل على النشوة. هذه النشوة يريدها الله لنا لكن بالخروج إليه. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس عندما يقول: " َلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" (افسس 4: 18) 

السبت، ٢٤ يوليو ٢٠١٠

لنصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض


الأصحَاحُ الْحَادِي عَشَرَ
وَكَانَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً. 2وَحَدَثَ فِي ارْتِحَالِهِمْ شَرْقًا أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ وَسَكَنُوا هُنَاكَ. 3وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا». فَكَانَ لَهُمُ اللِّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ. 4وَقَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». 5فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. 6وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. 7هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». 8فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ، 9لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ.
تذكرت هذه القصة منذ شهور قليلة عندما كنت في أول زيارة لي لمدينة دبيّ. كان المدينة مليئة بالأبراج الشاهقة. فكان التساؤل الذي يلحّ عليّ طوال فترة الزيارة: " هل هناك ما يكفي من البشر هنا لسكنى هذه الأبراج" وكانت الإجابة بالطبع: "لا" أما عن "برج دبي" المصنف أنه أعلى برج سكني في العالم فقيل لي أن حاكم دبي أراد أن يبنيه لكي يضع دبي على الخريطة ويصنع لهذه البقعة التي ليست لديها بترول أو مساحة أو ثروات واسعة، اسماً بين الأمم، وقد فعل. وقتها تذكرت ما قاله بانوا البرج في هذا العصر السحيق: «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ»
لكن جاءت "الأزمة المالية العالمية" وقام حاكم أبوظبي بشراء البرج وحول اسمه من برج "دبي" إلى "برج خليفة" على اسم حاكم دبي! والأهم من ذلك والمثير للاهتمام أنه بسبب الأزمة المالية توقفت الحركة البنائية المحمومة التي لم تكن مدفوعة بالحاجة وإنما بالكبرياء وبالفعل: «كَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ»
ليست القضية في دبي، أو في أي مكان  في العالم بحد ذاته وإنما في التوجه. وليس الخطأ في البناء بحد ذاته، ولكن الخطأ هو أن يكون الهدف الأساسي للبناء هو الطمع والرغبة في جمع المال بلا احتياج حقيقي، أو إعلاء شأن بلد أو إنسان أكثر من اللازم وربما على حساب نواح أخرى يجب أن ينفق فيها المال. الهدف الذي يكرمه الله دائماً هو هدف هو خدمة البشر، توفير مساكن، و تسديد احتياج حقيقي. وإنما البناء لمجرد الكبرياء، أمر يبعدنا عن حقيقتنا ويبعدنا عن بعضنا البعض ويبعدنا عن الكون وعن الله. 

الاثنين، ١٩ يوليو ٢٠١٠

تأملات عامة في شخصية نوح


بعض التأملات العامة في شخصية نوح
علاقته بالله
منذ سقوط الإنسان والعبادة لله يجب أن تحتوي على عنصر الذبيحة... العبادة الوحيدة المقبولة من ”خطاة“ هي الذبيحة!. الذبيحة هي أننا نقدم لله ”من عند الله“ وليس من عندنا. الدم رمز للنفس، للحياة. والحياة من عند الله وليس فيها اي مجهود بشري. هذا لترسيخ مفهوم أننا خطاة وفاسدون ولا يمكن أن نخلص أنفسنا ولا نقدم لله أي شيء له فائدة من جهة الخلاصالديانات التي ليس بها مفهوم الذبيحة يمكن أن يكون بها أحلى كلام وكل المفاهيم السليمة والأماني الطيبة عن العلاقة بالله لكن مثل هذه العلاقة لا تتحقق لأنها لا تعترف بطبيعة كل من الله والإنسان. الله بار بلا خطية، والإنسان خاطئ بلا بر. لذلك كل محاولات الإنسان إرضاء الله فاشلة. إنها مثل الورقة المالية المزيفة التي من نفس نوع ورق الورقة الشرعية وبها نفس النقوش ولكن ليست بها العلامة المائية أو السلك المعدني (الخط القرمزي، الدم!) الذي يجعلها مقبولة من البنوك. بدون ذبيحة لا يمكن إرضاءه. الحقيقة هي أنه بدون إيمان لا يمكن إرضاءه.  الذبيحة نفسها ليست هي التي ترضى الله. الذبيحة رمز  للبر الذي بالإيمان لاعتراف الإنسان بفساده التام وعدم قدرته أن يخلص نفسه بنفسه. الذبيحة أيضاً تكرس مفهوم أن أجرة الخطية هي موت، لذلك بدون ”سفك“ دم لا تحدث مغفرة. 

•          قايين وهابيل
•          نوح
•          ابراهيم واسحق ويعقوب
•          شعب إسرائيل ونظام الذبائح
•          الذبيحة النهائية والأبدية ... يسوع المسيح
ملاحظة بسيطة: نوح يستخدم عقله أيضاً!
حَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَنَّ نُوحًا فَتَحَ طَاقَةَ الْفُلْكِ الَّتِي كَانَ قَدْ عَمِلَهَا َأَرْسَلَ الْغُرَابَ.....  ثُمَّ أَرْسَلَ الْحَمَامَةَ ....... فَأَتَتْ إِلَيْهِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا. فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ الأَرْضِ.
كان نوح يستخدم ”عقله“  أيضاً ولا يطلب ”كلمة من الله“ في كل أمر!

علاقته بالعالم
كان نوح يعلم أن العالم وإن كان به شر هو لا يزال عالم الله. كان نوح يكره الشر الذي في العالم لكن يحب العالم. لم يحفظ نوح فقط نفسه من الشر الذي في العالم ولكنه حفظ أيضاً التكليف الإلهي بأن يسود ويسيطر ويحفظ الخليقة. من الواضح أن نوح كان يحتفظ بعلاقة ”آدم“ الخاصة بالخليقة والحيوانات. علاقة لم تعد لنا الآن بسبب أجيال وحقب من الحياة في الخطية! كان نوح شخصاً يحب البيئة A Godly Environmentalist  
علاقته بحياته
لكي تحيا ”ملكوت الله“ يجب أن تترك "ملكوتك الشخصي". من المؤكد أن نوح كان يعيش ”غير مرتبط“ بحياته الأرضية أكثر من اللازم.        Loosely attached to his life!
وهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ.  (رؤيا 12: 11) وإن كان ناجحاً في حياته العملية! وهذه سمة لكل رجال الله الذي استطاعوا أن يقولوا ”هأنذا!“
Wear the world as a loose garment which touches you in a few places and there lightly. St. Francis of Assisi     ارتد العالم كثوب فضفاض يلامس جسدك فقط في أماكن قليلة وبخفة!   فرانسيس الآسيزي   



علاقته بالآخرين
”امرأته....“  زوجة واحدة في ذلك العصر كان أمراً غريباً! كما احتفظ نوح بعبادة المذبح وبالعلاقة بالعالم والخليقة،احتفظ أيضاً بالعلاقة بالزوجة الواحدة كما يقول يسوع. من البدء خلقهما ذكراً وأنثى! حافظ نوح، وسط جيل شرير للغاية، على علاقة رجل واحد بامرأة واحدة!
لقد استطاع نوح أن:
•          يدرك البر الذي بالإيمان (الذبيحة)  
•          يحب عالم الله ويحترمه!
•          يحترم حياته الأرضية لكنه غير متمسك بها كثيراً!
•          يطيع الله في علاقاتاه!

الجمعة، ١ يناير ٢٠١٠

ميثاق الرحمة. ونبوات الآباء


وَكَلَّمَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ مَعهُ قَائِلاً: 9«وَهَا أَنَا مُقِيمٌ مِيثَاقِي مَعَكُمْ وَمَعَ نَسْلِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ، 10وَمَعَ كُلِّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحَيَّةِ الَّتِي مَعَكُمِْ: الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَكُلِّ وُحُوشِ الأَرْضِ الَّتِي مَعَكُمْ، مِنْ جَمِيعِ الْخَارِجِينَ مِنَ الْفُلْكِ حَتَّى كُلُّ حَيَوَانِ الأَرْضِ. 11أُقِيمُ مِيثَاقِي مَعَكُمْ فَلاَ يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ. وَلاَ يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ لِيُخْرِبَ الأَرْضَ». 12وَقَالَ اللهُ: «هذِهِ عَلاَمَةُ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَنَا وَاضِعُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ كُلِّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحَيَّةِ الَّتِي مَعَكُمْ إِلَى أَجْيَالِ الدَّهْرِ: 13وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ فَتَكُونُ عَلاَمَةَ مِيثَاق بَيْنِي وَبَيْنَ ا
لأَرْضِ. 14فَيَكُونُ مَتَى أَنْشُرْ سَحَابًا عَلَى الأَرْضِ، وَتَظْهَرِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، 15أَنِّي أَذْكُرُ مِيثَاقِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ. فَلاَ تَكُونُ أَيْضًا الْمِيَاهُ طُوفَانًا لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ. 16فَمَتَى كَانَتِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ مِيثَاقًا أَبَدِيًّا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى الأَرْضِ». 17وَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: «هذِهِ عَلاَمَةُ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَنَا أَقَمْتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كُلِّ ذِي جَسَدٍ عَلَى الأَرْضِ».

الميثاق الجديد
الله يقيم الميثاق مرة أخرى مع الإنسان. ومع الحيوانات أيضاً. الله يهتم بالخليقة كلها. لذلك فإن احترام الحيوان والبيئة والعمل على عدم إنقراض أي من الحيوانات جزء لا يتجزء من عبادة الله ...."فَلاَ يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ" .... الله يريد ألا ينقرض أي حيوان، والمسئول عن تنفيذ هذه الإرادة الإلهية على الأرض هو الإنسان الذي أوكله الله في الارض واستخلفه. ومتى لم يقم الإنسان بدوره، تتعطل إرادة الله في الأرض. الله يعرف التفويض وعندما يفوض لا يتدخل إلا إذا طُلِب منه التدخل.
قوس قزح
واضح من الكلام أن قوس قزح هو بسبب السحاب (المياة تعمل كمنشور ضوئي) ليس أن الله يصدر هذا الضوء من "جهاز" عنده في السماء وعندما لا يصدره فهذا معناه أنه تخلى عن ميثاقه معنا. إنه يقول أنه متى انتشر السحاب على الارض وظهر القوس (القوس يظهر بسبب انتشار السحاب "الماء المعلق" فأنا أذكر ميثاقي معكم. هذا معناه أن ثبات ميثاق الله الأخلاقي معنا هو ً كثبات قوانين الطبيعة. فطالما الماء المعلق في الجو يصنع ظاهرة قوس قزح فميثاق الله الأبدي معنا فعّال.


وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. 19هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هؤُلاَءِ
تَشَعَّبَتْ كُلُّ الأَرْضِ. 20وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. 21وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. 22فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. 23فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. 24فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، 25فَقَالَ: «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ». 26وَقَالَ: «مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. 27لِيَفْتَحِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ». وَعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. 29فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ نُوحٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.


حام أبو كنعان أبصر عورة أبيه فلم يسترها بل قال لأخويه سام ويافث اللذان قد سترا أباهما. فلعن نوح كنعان ابن حام. هناك تفسيرات عرقية وسياسية لهذه البركات واللعنات. لكن ما نريد ان نركز عليه هنا هو: 
- 1) نوح يسكر. الخطية لا تزال موجودة لكن الله لم يعاقب بالإبادة. لأن ميثاق الرحمة والغفران لا يزال موجوداً. نوح تعرّى من ثيابه لكن لم يتعرّ من غفران ورحمة الله.
- 2) فضح الخطية خطية ربما اسوأ منها. خصوصاً إذا كانت الخطية (كما يظهر هنا) حدث عارض وليس أسلوب حياة. تصيد أخطاء الأخرين وتتبع العورات واختراق الحياة الشخصية للآخرين خطية أكبر لأنها خطية تنم عن عدم المحبة. وبالنسبة لله في الكتاب المقدس، عدم المحبة وعدم الرحمة هي، في نظر الله، أكبر خطية لأنها تتعارض مع طبيعة الله نفسه. الله محبة ورحمة و ميثاقه معنا ميثاق رحمة، فعندما لا نرحم بعضنا بعضاً بعد أن رحمنا فهذا يغضبه جداً.
ـ 3) هذا لا يعني أن مواجهتنا لبعضنا البعض باللخطية أمر خاطئ ، مواجهة المخطئ بخطيته أمر صحّي وهي تعطيه الفرصة للتوبة والاعتراف والتغيير، لكن فضح خطية الإنسان أمام آخرين خطية كبيرة.
- 4) تأثير الآباء على الأبناء. البركة واللعنة، أو الكلام الذي يتكلم به الآباء عن الأبناء تؤثر بالفعل في حياتهم وتتحول إلى معتقدات في حياة الأطفال تؤثر على مفهومهم عن أنفسهم واستقبالهم للعالم وبالتالي على سلوكياتهم وحياتهم كلها. إنها نبوات تحقق نفسها لأن الأبناء يصدقون الآباء ويعتبرون أن كلماتهم هي عين الحقيقة وقلب الواقع.


الاثنين، ٢٨ سبتمبر ٢٠٠٩

مدعو للازدهار














اَلأَصْحَاحُ التَّاسِعُ

وَبَارَكَ اللهُ نُوحاً وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ. 2وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ. 3كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَاماً. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. 4غَيْرَ أَنَّ لَحْماً بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لاَ تَأْكُلُوهُ. 5وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ. مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ أَطْلُبُهُ. وَمِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَطْلُبُ نَفْسَ الإِنْسَانِ مِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَخِيهِ. 6سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ. 7فَأَثْمِرُوا أَنْتُمْ وَاكْثُرُوا وَتَوَالَدُوا فِي الأَرْضِ وَتَكَاثَرُوا فِيهَا».

تجديد العهد مع الإنسان
نلاحظ أن الله يجدد نفس العهد الذي قطعه مع آدم وحواء.

ـ أثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الأَرْضَ
هذه الوصية بداخلها أكثر من مضمون. الأول: مباركة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وأنها لاتزال مقدسة بعد السقوط كما كانت قبله. الثاني: الإنسان مفطور على أن يثمر ويكثر وهذا ليس معناه فقط التناسل والتكاثر الجسدي، وإنما أيضاً الخلق والإبداع الفني والعلمي وكل شيء من شأنه أن يُعلي من قيمة وعمق الحياة الإنسانية.

ـ وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ,
هذه الوصية مضمونها أن الله يعطي الإنسان السلطان مرة أخرى برغم سقوطه وخطيته. وهذا مهم أن نفهمه لأن عطايا الله هي بلا ندامة. الله لا يتراجع عن قراره في كونه قد خلق الإنسان على صورته معطياً إياه القدرة على الخلق والإبداع والحرية والسلطان حتى وإن كان الإنسان يستخدم هذا السلطان لعصيان الله وإيذاء أخيه الإنسان. الدين يصور الله وكأنه جاثم على صدر الإنسان أو عين كبيرة تراقبانه لكي تتصيد له الأخطاء لكن العهد الذي يقدمه الكتاب المقدس هنا يتضمن أن الله يتراجع ويعطي السلطان للإنسان لكي يزرع ويحصد ما يزرعه إن كان خيراً وإن كان شراً.
الله يتدخل في مواقف خاصة لكنه بعد ذلك يأخذ خطوة للخلف ويعطي المساحة للإنسان لكي يعيش بحرية. الله أب صالح غير مسيطر وغير اعتمادي يسمح بالحرية لخليقته ويتركهم ليحققوا ذواتهم.
الإنسان الذي يستخدم حريته في الشر يحصد الشر إن آجلاً أو عاجلاً. و الإنسان الذي يستخدم حريته في البناء والتعمير فهو يحصد بناء وخلقاً وإبداعاً حتى وإن لم يؤمن بالله لكنه لا يحصد علاقة مع الله. أما الإنسان الذي يخضع لله ويعبده فإنه يحصد بالإضافة إلى ذلك علاقة روحية مع الله تجعل لحياته عمقاً في الأرض وأبدية مع الله بعد أن تنتهي الحياة على هذه الأرض أو تنتهي حياته هو هناك.

- قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ. 3كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَاماً. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. 4غَيْرَ أَنَّ لَحْماً بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لاَ تَأْكُلُوهُ. 5وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ.
نلاحظ هنا أن الله سمح بكل الحيوانات طعاماً بالرغم من الإشارة سابقاً إلى وجود حيوانات طاهرة وغير طاهرة. أعتقد أن هذا يشير إلى أن تقسيم الخليقة إلى طاهر وغير طاهر ليس جوهري في الخليقة وإنما هي مجرد "وسيلة إيضاح" جسدية منظورة للإشارة إلى الخطايا الروحية الحقيقية. وهذا ما أشرنا إليه سابقاً فيما يقوله بولس الرسول في العهد الجديد: لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ.
إذاً الطهر وعدم الطهر هو في توجهات الإنسان الروحية. الطهر هو خضوع الإنسان وإيمانه بالله وشكره على كل شيء يعطيه والنجاسة هي الطمع والأنانية والكبرياء والتمرد وعدم الإيمان.

- لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ
مرة أخرى يشير إلى هذه الحقيقية التي هي مصدر كل التشريع. أن الله خلق الإنسان على صورته. وصورة الله في الإنسان أمر جوهري فيه لا يغيره العصيان أو الخطية. هذه الصورة. أو الطبيعة الأخلاقية الروحية في الإنسان تجعل الباب مفتوحاً أمامه إلى الخير الأبدي فيعيش مع الله إلى الأبد، كما تجعل الباب مفتوحاً أيضاً للشر الأبدي عندما يعيش الإنسان إلى الأبد أيضاً، ولكن بعيداً عن الله.

- َفأَثْمِرُوا أَنْتُمْ وَاكْثُرُوا وَتَوَالَدُوا فِي الأَرْضِ وَتَكَاثَرُوا فِيهَا».
ثم يختم مرة أخرى بالتأكيد على دعوة الله للإنسان للنمو. فالحقيقتان الجوهريتان، كما يظهر من التكرار، هو أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومدعو للنجاح والازدهار.

الخميس، ١٠ سبتمبر ٢٠٠٩

العبادة لله


الإصحاح الثامن

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ نُوحاً وَكُلَّ الْوُحُوشِ وَكُلَّ الْبَهَائِمِ الَّتِي مَعَهُ فِي الْفُلْكِ. وَأَجَازَ اللهُ رِيحاً عَلَى الأَرْضِ فَهَدَأَتِ الْمِيَاهُ. 2وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ وَطَاقَاتُ السَّمَاءِ فَامْتَنَعَ الْمَطَرُ مِنَ السَّمَاءِ. 3وَرَجَعَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الأَرْضِ رُجُوعاً مُتَوَالِياً. وَبَعْدَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْماً نَقَصَتِ الْمِيَاهُ 4وَاسْتَقَرَّ الْفُلْكُ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ. 5وَكَانَتِ الْمِيَاهُ تَنْقُصُ نَقْصاً مُتَوَالِياً إِلَى الشَّهْرِ الْعَاشِرِ. وَفِي الْعَاشِرِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ظَهَرَتْ رُؤُوسُ الْجِبَالِ.
وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَنَّ نُوحاً فَتَحَ طَاقَةَ الْفُلْكِ الَّتِي كَانَ قَدْ عَمِلَهَا 7وَأَرْسَلَ الْغُرَابَ فَخَرَجَ مُتَرَدِّداً حَتَّى نَشِفَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الأَرْضِ. 8ثُمَّ أَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مِنْ عِنْدِهِ لِيَرَى هَلْ قَلَّتِ الْمِيَاهُ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ 9فَلَمْ تَجِدِ الْحَمَامَةُ مَقَرّاً لِرِجْلِهَا فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ لأَنَّ مِيَاهاً كَانَتْ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا عِنْدَهُ إِلَى الْفُلْكِ. 10فَلَبِثَ أَيْضاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَادَ فَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مِنَ الْفُلْكِ 11فَأَتَتْ إِلَيْهِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا. فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ الأَرْضِ. 12فَلَبِثَ أَيْضاً سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ وَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ فَلَمْ تَعُدْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ أَيْضاً.
وَكَانَ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَالسِّتِّ مِئَةٍ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمِيَاهَ نَشِفَتْ عَنِ الأَرْضِ. فَكَشَفَ نُوحٌ الْغِطَاءَ عَنِ الْفُلْكِ وَنَظَرَ فَإِذَا وَجْهُ الأَرْضِ قَدْ نَشِفَ. 14وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ جَفَّتِ الأَرْضُ.
وَأَمَرَ اللهُ نُوحاً: 16«اخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. 17وَكُلَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي مَعَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ: الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَكُلَّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ أَخْرِجْهَا مَعَكَ. وَلْتَتَوَالَدْ فِي الأَرْضِ وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى الأَرْضِ». 18فَخَرَجَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ. 19وَكُلُّ الْحَيَوَانَاتِ وَكُلُّ الطُّيُورِ كُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ كَأَنْوَاعِهَا خَرَجَتْ مِنَ الْفُلْكِ.

• بعد الدمار يأتي الإعمار وبعد الموت تأتي الحياة.
• صحيح أن الحياة هشة ومهددة دائماً بالموت والفناء بكل صورة. الطوفان والأعاصير والزلازل والبراكين من ناحية والأمراض والأوبئة من ناحية أخرى والحروب والقتل من ناحية ثالثة. لكن الله يستمر في إمداد الخليقة بقوة الحياة والوجود.
• البشر يميلون للشر، لكن يظل الخير فيهم موجوداً والله كما يعاقب الشر بحزم، يستمر في رعاية الخير الذي في قلوب البشر لينمو ويمتد ويتأصل. هذا هو المفهوم الأساسي لملكوت الله في الأرض.
• ظلت الحمامة وغصن الزيتون رمزين للسلام.
• يكرر الله لنوح ونسله نفس التكليف الإلهي لآدم وحواء الإثمار والإكثار: « لْتَتَوَالَدْ فِي الأَرْضِ وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى الأَرْضِ».

وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحاً لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ 21فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. 22مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ زَرْعٌ وَحَصَادٌ وَبَرْدٌ وَحَرٌّ وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ لاَ تَزَالُ».

• بناء المذبح.....
في هذه المرحلة من تعامل الله مع الإنسان كان بناء المذبح إشارة للنية لعبادة الله. فكرة الذبيحة هي أن الله أهم من هذه الحياة الأرضية. وعندما يبني الإنسان مذبح يقصد أن يقول أنه يعبد الله ويرى في الوجود ما هو أسمى من المنظور والملموس حتى أنه يذبح حيواناً ويقدمه لله. ليس أن الله يحتاج إلى دم حيوانات ليرضى (كما كان الحال في الديانات الوثنية المعاصرة لذلك الوقت) فالمزمور الخمسون يقول:
1إِلهُ الآلِهَةِ الرَّبُّ تَكَلَّمَ، وَدَعَا الأَرْضَ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا. 2مِنْ صِهْيَوْنَ، كَمَالِ الْجَمَالِ، اللهُ أَشْرَقَ. 3يَأْتِي إِلهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ، وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدًّا. 4يَدْعُو السَّمَاوَاتِ مِنْ فَوْقُ، وَالأَرْضَ إِلَى مُدَايَنَةِ شَعْبِهِ: 5«اجْمَعُوا إِلَيَّ أَتْقِيَائِي، الْقَاطِعِينَ عَهْدِي عَلَى ذَبِيحَةٍ». 6وَتُخْبِرُ السَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الدَّيَّانُ. سِلاَهْ.
7«اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأَتَكَلَّمَ. يَا إِسْرَائِيلُ فَأَشْهَدَ عَلَيْكَ: اَللهُ إِلهُكَ أَنَا. 8لاَ عَلَى ذَبَائِحِكَ أُوَبِّخُكَ، فَإِنَّ مُحْرَقَاتِكَ هِيَ دَائِمًا قُدَّامِي. 9لاَ آخُذُ مِنْ بَيْتِكَ ثَوْرًا، وَلاَ مِنْ حَظَائِرِكَ أَعْتِدَةً. 10لأَنَّ لِي حَيَوَانَ الْوَعْرِ وَالْبَهَائِمَ عَلَى الْجِبَالِ الأُلُوفِ. 11قَدْ عَلِمْتُ كُلَّ طُيُورِ الْجِبَالِ، وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ عِنْدِي. 12إِنْ جُعْتُ فَلاَ أَقُولُ لَكَ، لأَنَّ لِي الْمَسْكُونَةَ وَمِلأَهَا. 13هَلْ آكُلُ لَحْمَ الثِّيرَانِ، أَوْ أَشْرَبُ دَمَ التُّيُوسِ؟ 14اِذْبَحْ للهِ حَمْدًا، وَأَوْفِ الْعَلِيَّ نُذُورَكَ، 15وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي».
وإنما هي نية التضحية بما هو مادّي ووقتي في سبيل ما هو روحي وأبدي علامة على عبادة الله واستيعاب العالم الروحي.

• البهائم والطيور الطاهرة وغير الطاهرة. أيضاً ليس أن الله خلق شيئاً غير طاهر. فكل خليقة الله طاهرة كما نرى في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس في العهد الجديد
1وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، 2فِي رِيَاءِ أَقْوَال كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ، 3مَانِعِينَ عَنِ الزِّوَاجِ، وَآمِرِينَ أَنْ يُمْتَنَعَ عَنْ أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ. 4لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، 5لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ.
(نلاحظ أن العهد الجديد يجعلنا نفهم العهد القديم بصورة أكثر عمقاً وروحانية)

لكن كان المقصود، في هذه الفترة المبكرة من تطور الفكر الروحي أن يستخدم الله الحيوانات كوسائل إيضاح ليعلم الإنسان الطهارة وعدم الطهارة. وعندما جاء المسيح علمنا أن الطاهر والنجس ليس ما يدخل فم الإنسان من طعام أو شراب بل ما يخرج منه من كلام ينم عن توجهات قلب طاهرة أو نجسة.

10ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ:«اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. 11لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ». 12حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوالَهُ: «أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟» (متى 15: 10- 12)
مرة أخرى الأهم هو السلوك الذي يسلكه الإنسان والأكثر أهمية هو قلب الإنسان وتوجهاته الداخلية التي تعبر السلوكيات عنها. هذا ما يعبر عنه النص هنا بتعبير " تصورات قلب الإنسان"

* تنسم الرب رائحة الرضا. بناء نوح لمذبح دليل على أنه لا يزال في الأرض من توجهه القلبي هو توجه العبادة لله. من يرى في الحياة ما هو أبعد من المادي والملموس. عندما يرى الإنسان في الحياة فقط المادي والملموس فهو قد مات روحياً وهذا هو الموت الحقيقي عند الله. لذلك سوف نجد في العهد القديم في مرات كثيرة أن يختار الله الموت الجسدي لمن ماتوا بالفعل روحياً لعل هذا يؤدي إلى الإحياء الروحي لآخرين. وهذا الإحياء الروحي هو بأن يتوبوا ويعودوا إلى الله. هذا ما فعله نوح وبالتالي اطمأن الله لوجود صوت في الأرض يساعد البشر أن يحيوا روحياً. وهذه هي الحياة الحقيقية. لذلك قال الله: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ ... وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. ».

الثلاثاء، ١١ أغسطس ٢٠٠٩

الطاهر والنجس والمعنى الروحي لقصة الطوفان


الإصحاح السابع

وَقَالَ الرَّبُّ لِنُوحٍ: «ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارّاً لَدَيَّ فِي هَذَا الْجِيلِ. 2مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ تَأْخُذُ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً ذَكَراً وَأُنْثَى. وَمِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ اثْنَيْنِ: ذَكَراً وَأُنْثَى. 3وَمِنْ طُيُورِ السَّمَاءِ أَيْضاً سَبْعَةً سَبْعَةً: ذَكَراً وَأُنْثَى. لِاسْتِبْقَاءِ نَسْلٍ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. 4لأَنِّي بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَيْضاً أُمْطِرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَأَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ كُلَّ قَائِمٍ عَمِلْتُهُ». 5فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ الرَّبُّ.

  • البهائم الطاهرة والبهائم غير الطاهرة. سوف يأتي بعد ذلك في سفر اللاويين تفصيلات عما هو طاهر وما غير طاهر من الحيوانات (على سبيل المثال الخنزير). مرة أخرى الوحي ليس حرفياً بل هو روحيّ. ليس المقصود من هذا المكتوب هو العداء لبعض الحيوانات فكلها خليقة الله التي قال عنها من البداية أنها حسنة ويأتي العهد الجديد بعد ذلك ليؤكد على هذه الحقيقة قائلاً أن "كل خليقة الله طاهرة" ولكن ما كان الله يريد أن يرسخه في أذهان الناس في ذلك الوقت هو مفهوم الخطأ والصواب وكان يستخدم الحيوانات "كوسائل إيضاح". وسيلة الإيضاح دورها أن "تجسد" المفاهيم الروحية المجردة في صورة مادية ملموسة. المفهوم المجرد الذي أراد الله أن يرسخه هو مفهوم الخطأ والصواب، فاستخدم له وسيلة إيضاح هي الحيوانات الطاهرة والنجسة. بعد نمو العقلى البشري العام نستطيع الآن أن نستوعب المفهوم المعنوي المجرد بدون وسائل إيضاح فيمكننا عندئذ أن نتجاوز حرفية هذه الطقوس والوصايا.

الطوفان

وَلَمَّا كَانَ نُوحٌ ابْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ 7فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى الْفُلْكِ مِنْ وَجْهِ مِيَاهِ الطُّوفَانِ. 8وَمِنَ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ بِطَاهِرَةٍ وَمِنَ الطُّيُورِ وَكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ: 9دَخَلَ اثْنَانِ اثْنَانِ إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ ذَكَراً وَأُنْثَى. كَمَا أَمَرَ اللهُ نُوحاً.

وَحَدَثَ بَعْدَ السَّبْعَةِ الأَيَّامِ أَنَّ مِيَاهَ الطُّوفَانِ صَارَتْ عَلَى الأَرْضِ. 11فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ. 12وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. 13فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ دَخَلَ نُوحٌ وَسَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ بَنُو نُوحٍ وَامْرَأَةُ نُوحٍ وَثَلاَثُ نِسَاءِ بَنِيهِ مَعَهُمْ إِلَى الْفُلْكِ. 14هُمْ وَكُلُّ الْوُحُوشِ كَأَجْنَاسِهَا وَكُلُّ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا وَكُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا وَكُلُّ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا: كُلُّ عُصْفُورٍ كُلُّ ذِي جَنَاحٍ. 15وَدَخَلَتْ إِلَى نُوحٍ إِلَى الْفُلْكِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ. 16وَالدَّاخِلاَتُ دَخَلَتْ ذَكَراً وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ. وَأَغْلَقَ الرَّبُّ عَلَيْهِ.

وَكَانَ الطُّوفَانُ أَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَى الأَرْضِ. وَتَكَاثَرَتِ الْمِيَاهُ وَرَفَعَتِ الْفُلْكَ فَارْتَفَعَ عَنِ الأَرْضِ. 18وَتَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ وَتَكَاثَرَتْ جِدّاً عَلَى الأَرْضِ فَكَانَ الْفُلْكُ يَسِيرُ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. 19وَتَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ كَثِيراً جِدّاً عَلَى الأَرْضِ فَتَغَطَّتْ جَمِيعُ الْجِبَالِ الشَّامِخَةِ الَّتِي تَحْتَ كُلِّ السَّمَاءِ. 20خَمْسَ عَشَرَةَ ذِرَاعاً فِي الارْتِفَاعِ تَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ فَتَغَطَّتِ الْجِبَالُ. 21فَمَاتَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ كَانَ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ وَكُلُّ الزَّحَّافَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَزْحَفُ عَلَى الأَرْضِ وَجَمِيعُ النَّاسِ. 22كُلُّ مَا فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ رُوحِ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْيَابِسَةِ مَاتَ. 23فَمَحَا اللهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ: النَّاسَ وَالْبَهَائِمَ وَمَا يَدِبُّ وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَانْمَحَتْ مِنَ الأَرْضِ. وَتَبَقَّى نُوحٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ فَقَطْ. 24وَتَعَاظَمَتِ الْمِيَاهُ عَلَى الأَرْضِ مِئَةً وَخَمْسِينَ يَوْماً.

  • هناك تقليد عن الطوفان في الكثير من الثقافات المعاصرة للثقافة العبرانية كملحمة جلجامش في حضارة ما بين النهرين. كما توجد بعض أساطير الطوفان في الثقافة اليونانيةً[1] وربما كان منشأ هذا التقليد في أرض ما بين النهرين لكون هذه المنطقة تعيش في حالة تهديد مستمر بفيضان الأنهار[2]
  • ما الذي جعل مثل هذا التقليد منتشراً في ثقافات عديدة؟

ربما هو:

شعور الإنسان بهشاشة الحياة البشرية

خوف الإنسان من الدمار

الرجاء في إعادة إعمار الأرض والبداية من جديد.

  • فهذه إذاً قصة اليأس والرجاء مختلطين ، الدمار والعمار ، الدينونة الخلاص. ألا يشبه هذا موت المسيح وقيامته ، ألا يمكن أن تشير هذه القصة إشارة ولو بعيدة إلى موت وقيامة المسيح؟ ليس المهم أن تكون حدثت تاريخياً أم لا ولكن المهم هو المعاني اللاهوتية المجردة التي وراء قصة الطوفان.

- الله هو الخالق وهو صاحب الخليقة وصاحب حرية التصرف فيها.

- الله بار ويعاقب الخطية.

- الخطية أمر مأساوي يمكن أن يؤدي لدمار الجنس البشري كله والحيوانات أيضاً.

- الله يصنع الحياة من بين أشلاء الموت.


[1] كان ديوكاليون ابن بروميثيوس ، وكانت زوجته بورا ابنة أخيه إبيميثيوس ولهذا نصح بروميثيوس ابنه أن يصنع صندوقاً ذا شكل خاص ويكدس فيه أنواع المواد الغذائية ومن يحتاج هو وزوجته من ثياب. انتهى ديوكاليون من عمل الصندوق وتجهيزه بما يحتاج ، ولم يكن يعبأ بتساؤلات الناس وسخرياتهم. حتى إذا أحاطت المياه بكل شيء ،نجا ديوكاليون وزوجته ليعيدا نشر الحياة من جديد. ( معتقدات يونانية ورومانية ، د. كامل سعفان . ص 61 دار الندى 1997)

[2] ولكن لكون هذه القصة موجود في ثقافات تقطن أماكن جعرافية مختلفة لكنا نتوقع كوارث طبيعية مختلفة مثل البراكين أو الزلازل أو خلافه. لكن ربما طغيان المياه هو أمر يرجع إلى فكرة عودة الفوضى المائية التي كانت قبل خلق الله للنظام في العالم!!

 
google-site-verification: google582808c9311acaa3.html